السيد محمد تقي المدرسي
397
من هدى القرآن
وحكمة الفتنة في الدنيا أنها تطهر القلب كما يطهر الذهب بالنار ، وقد صنع الله الدنيا بطريقة تتناسب والفتنة ، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : « وَلَكِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِ نِيَّاتِهِمْ وضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ مِنْ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ والْعُيُونَ غَنَاؤُهُ وخَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَسْمَاعَ والْأَبْصَارَ أَذَاؤُهُ ولَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ وعِزَّةٍ لَا تُضَامُ ومُلْكٍ يُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ ويُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الِاخْتِبَارِ وأَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ ولآَمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً والْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً . ولَكِنَّ الله أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ والتَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ والخُشُوعُ لِوَجْهِهِ والِاسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ والِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لَا تَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ وكُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى والِاخْتِبَارُ أَعْظَمَ كَانَتِ المَثُوبَةُ والجَزَاءُ أَجْزَلَ ، أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنِ آدَمَ إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ بِأَحْجَارٍ لَا تَضُرُّ ولَا تَنْفَعُ ولَا تُبْصِرُ ولَا تَسْمَعُ فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً . ثُمَّ وَضَعَهُ بِأوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً وأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً وأَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مَعَاشاً وأَغْلَظِ مَحَالِّ الْمُسْلِمِينَ مِيَاهاً بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ ورِمَالٍ دَمِثَةٍ وعُيُونٍ وَشِلَةٍ وقُرًى مُنْقَطِعَةٍ وأَثَرٍ مِنْ مَوَاضِعِ قَطْرِ السَّمَاءِ دَاثِرٍ لَيْسَ يَزْكُو بِهِ خُفٌّ ولَا ظِلْفٌ ولَا حَافِرٌ ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ووُلْدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ - وبعد أن بين الإمام أنه لو كانت مكة في مناطق ذات بهجة وثمر لسقط البلاء قال - : وَلَكِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يَخْتَبِرُ عَبِيدَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ ويَتَعَبَّدُهُمْ بِأَلْوَانِ الْمَجَاهِدِ ويَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وإِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي أَنْفُسِهِمْ ولِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ وأَسْبَاباً ذُلُلًا لِعَفْوِهِ وفِتْنَتِهِ كَمَا قَالَ : ألم ( 1 ) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) « 1 » . أجل يتبين الإيمان المستقر من العواري حين يتعرض الناس للبلاء الشديد وتعتريهم المحن ليكونوا طعمة يقتات عليها الظالمون ، والتعبير القرآني أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا استفهام استنكاري على أولئك الذين يتصورون أن طريق الإيمان مليء بالورود . إن طريق الإيمان صعب . وقد قال الإمام الصادق عليه السلام : « هَلَكَ الْعَامِلُونَ إِلَّا الْعَابِدُونَ ، وهَلَكَ الْعَابِدُونَ إِلَّا الْعَالِمُونَ ، وهَلَكَ الْعَالِمُونَ إِلَّا الصَّادِقُونَ ، وهَلَكَ الصَّادِقُونَ إِلَّا المُخْلِصُونَ ، وهَلَكَ المُخْلِصُونَ
--> ( 1 ) الكافي : ج 4 ص 198 .